• السبت 19 أكتوبر 2019
  • بتوقيت مصر10:18 م
بحث متقدم

بوتين و أفول الليبرالية الغربية

مقالات

أثارت  تصريحات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على هامش قمة العشرين التي عقدت في أوساكا عن أفول   الليبرالية الغربية (western liberalism)، و أنها عفا عليها الزمن Obsolete ، أثارت ردود  فعل غاضبة في العالم الغربي على المستويين السياسي و الثقافي ، و امتلأت الصحف الغربية بمقالات و تحليلات لما يقصده بوتين . لقد كان حوار الرئيس الروسي باللغة الروسية ، و قد استخدم فيه تلك العبارة   ?????? الروسية  التي  ترجمت  إلى الإنجليزية  وبقية اللغات الأوروبية بأكثر من طريقة (obsolete- outdated- outlived)  ، وكلها تدور حول معنى  الاضمحلال والأفول و الانتهاء ، فما الذي يقصده بوتين بالليبرالية الغربية western liberalism ؟ هل يقصد  الليبرالية الرأسمالية أم منظومة القيم الثقافية الغربية ؟ يبدو  أن بوتين كان يركز على الجانب   القيمي و الأيدلوجي ، فقد  رفض فكرة التعددية الثقافية multiculturalism   و أشاد بتنامي ظاهرة الفكر القومي و الشعبوي في أوروبا . و حاول بوتين استثارة عاطفة المجتمعات الغربية بقوله إن الليبرالية الغربية تتعارض مع مصالح  شعوبها ، وتمنح الفرصة للمهاجرين بأن يحصلوا على مميزات لا يحصل عليها المواطنون الأصليون ، بل و اتهم المهاجرين بأنهم يمارسون الكثير من الجرائم  كالقتل و السرقة و الاغتصاب  ضد تلك  المجتمعات الغربية .  ولم يتوقف  الخطاب (العنصري ) لبوتين عند ذلك الحد بل امتد ليحمل صبغة دينية محافظة أيضا حيث انتقد  تنامي  ظاهرة الزواج  المثلي على حساب  القيم  التقليدية  ، وقيم  العائلة التي اعتبرها  لب المجتمع و التي لا يمكن أن يتخلى عنها من أجل تلك الدعاوى المزيفة عن الحريات الشاذة و الاستثنائية . لقد كان حديث بوتين واضحا و صريحا في وجوب المحافظة  على الخصوصية الثقافية للمجتمعات الغربية حيث انتقد  المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل في سماحها للمهاجرين القادمين  من (الشرق الأوسط ) عام  2015  دون أي قيود ، واعتبر ذلك خطأ كبيرا cardinal mistake  . إن الأيدلوجية التي يحملها بوتين تخفي كثيرا من العداء للقيم  الإسلامية ، ولذلك فقد كان خطابه  الأخير أشبه برسالة تحذير من ذوبان الثقافة  الغربية في ظل التنازل الغربي أمام ثقافة الوافدين و المهاجرين . و مواقف بوتين من القضايا  العربية  المختلفة تشي بهذا العداء الخفي لمنظومة القيم الإسلامية .لكن الذي يعنينا الآن هو أن نلفت  نظر الليبراليين العرب إلى ذلك الخطاب  المحافظ الذي يتبناه رئيس دولة من أكبر دول  العالم ، داعيا إلى العودة إلى القيم  (التقليدية) ، وهي عبارة تحمل الكثير من الدلالات (الدينية) و (الأيدلوجية) . فتلك الدعاوى  (المنفلتة) التي يتبنهاه بعض متطرفي العلمانية العربية التي تحض على خلع الحجاب باسم الحرية و التحرر  ومحاربة الرجعية تنطلق من أفواه ببغائية  و عقول سطحية تربط  التحضر و التقدم العلمي بمظاهر شكلية لا علاقة لها بجوهر المسار الحضاري الذي يعتمد على ركائز أخرى تتعلق بالقيم الكبرى من حريات و مناهج علمية و تعليمية ، وسلوك فكري واقتصادي يتميز بالمرونة و التطور ، ولا تنحصر في تلك الرؤى الضيقة التي تتوهم أن (البناء الحضاري) يبدأ من (الملاهي الليلية)  ومن( فوق البلاجات ).إن أزمة هذه الأمة تكمن في أن الذين يتبنون الخطاب الإعلامي  والثقافي إما إسلاميون رجعيون  جامدون يعيشون خارج الزمن  أو علمانيون أنصاف مثقفين يصرون على أن تحرر العلاقات بين الرجل و المرأة هو بداية النهضة الحقيقية  ، وهي نفس الأزمة التي وقع فيها قاسم  أمين في بداية القرن الماضي حين تصور ( وهو ليس مؤهلا لذلك ) أنه يقود مسيرة تنوير حضارية فنادى بما يسمى تحرير المرأة . وقد تحررت المرأة (وفقا لمنظور قاسم أمين) ، ومع ذلك فلا زالت المجتمعات العربية تعاني من أزمة التراجع  الحضاري ، وذلك لأن الخطوات الحقيقية للتقدم لا علاقة لها بالمسار الذي يتبناه أدعياء العلم و التنوير. فمتى تتشكل نخبة حقيقية تتخلص من فكر ( الدروشة) وفكر ( الانحلال) و تركز على المسارات الحقيقية لمشروع النهضة الذي طال غيابه ؟

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

ما هي توقعاتك بشأن أزمة سد النهضة؟

  • فجر

    04:43 ص
  • فجر

    04:42

  • شروق

    06:05

  • ظهر

    11:45

  • عصر

    14:58

  • مغرب

    17:24

  • عشاء

    18:54

من الى