• السبت 20 أكتوبر 2018
  • بتوقيت مصر09:49 م
بحث متقدم

تعبير سياسى عن الفكرة الدينية.. هل من ضرورة؟

مقالات

(لا يمكن للأمة أن تستغنى عن تعبير سياسى عن الفكرة الدينية)، هذه الجملة قالها الراحل الكبير الأستاذ هيكل فى أحد حواراته التليفزيونية التى تعددت فى السنوات الأخيرة من عمره الطويل (1923-2016).. الأستاذ هيكل كان فنانًا فى نحت الألفاظ والمصطلحات والتى كان أشهرها بالطبع (النكسة)، (زوار الفجر)، (مراكز القوى).. إلخ لكن مصطلح (الفكرة الدينية) كان العلامة مالك بن نبى (1905-1973) هو أول من صكه وقدمه للثقافة الإسلامية.. وبالطبع نذكر للمفكر الإسلامى الكبير مصطلحات بالغة المعنى والدلالة كان هو أيضًا أول من استخدمها فى شرح أفكاره الكبرى التى آمن بها وعاش لها مثل: القابلية للاستعمار / شروط النهضة/ الظاهرة القرآنية/ ميلاد مجتمع.. وغيرها كثير من المصطلحات ذات العيار الثقيل.
مصطلح (الفكرة الدينية) قدمه مالك بن نبى فى كتابه الشهير (مشكلات الحضارة).. والذى اعتبر فيه أن الفكرة الدينية هى القلب الصلب التى تنبعث منها أمة من الأمم ويقول فى ذلك: (الحضارة لا تظهر فى أمة من الأمم إلا فى صورة وحى من السماء يكون للناس شرعة ومنهاجًا.. قدر الإنسان ألا تشرق عليه شمس الحضارة إلا حيث يمتد نظره إلى ما وراء حياته الأرضية.. الحضارة تظهر بدافع الفكرة الدينية وتنتهى بانتهاء هذه الفكرة).
اللافت للنظر أن (بن نبى) لم يتعرض للإسلام كعقيدة وشريعة فى كل ما كتبه تقريبًا.. إنما تناوله كفكرة/ حركة إصلاح اجتماعى من خلال المثلث الشهير (الأشخاص والأشياء والأفكار) مثلث التغيير الاجتماعى الأمثل والأصوب (على فكرة مالك كان مهندسًا).

سيكون علينا أن نراجع إحدى البديهيات الكبرى فى وعينا بأنفسنا وقوام وجودنا فى هذه الدنيا، وهو أن تاريخ الإصلاح والسياسة فى الشرق هو تاريخ (الحركة بالفكرة الدينية) كما صاغها ابن نبى.. كل المحاولات التى عالجت هذا الملف (الإصلاح والنهوض) سواء على جانبه الفكرى أو جانبه الحركى ولم تستند إلى الفكرة الدينية فشلت فشلًا مدهشًا.. وباب الفشل مفتوح لمن يريد تكرار التكرار وإعادة المعاد.. سواء كان تيار القومية العربية بتنويعاته المتعددة والتى يعد حزب (البعث العربى) أحد أهم تنظيراتها، وللأمانة فإن هذا التيار قام بمراجعات مطولة، وقدم ميشيل عفلق فى هذه المراجعات مدونات عميقة.. أيضًا مدرسة اليسار بكل تنويعاته كان لها باع طويل فى ذلك وكلنا نعلم أن اليساريين الباحثين الصادقين فى البحث عن الحقيقة، اقتربوا كثيرًا من الفكرة الدينية (عبد الوهاب المسيرى، وطارق البشرى، ومحمد عابد الجابرى، ومنير شفيق، وجلال أمين...) بل وأصبح عدد منهم من كبار المفكرين الإسلاميين لكن عددًا غير قليل منهم أصر إصرارًا واستكبر إستكبارًا على الخطأ الذى عاش به وله، وأتصور أن معادلة اليقين/ والجحود التى قدمها لنا (القرآن) تنطبق على كثيرين منهم.. انهزامًا منهم أمام داء البشر القديم: (الكبر).. إذ لا أتصور مثلًا أن أ/محمود أمين العالم، ود/عبد العظيم أنيس، ود/أنور عبد الملك، ود/حسن حنفى، قد عجزت بهم قدراتهم العقلية عن الاهتداء الصريح إلى تلك الحقيقة لكنهم أصروا على أن تكون رحلة حياتهم مثل حياة أبطال قصص الروائى الألمانى الشهير فرانزكافكا (رجال بلا تاريخ يعيشون خارج الزمان والمكان.. فى فراغ لا اسم له.. وفى زمان لا يمر به تاريخ.. يبحثون عن أشياء لا يعرفون هويتها..!)، ود/ حسن حنفى تحديدًا والذى يثير حول أفكاره تساؤلات كثيرة خاصة ما يقدمه تحت عنوان (اليسار الإسلامى)، والتى هى فى الأصل لم تجد لها رواجًا ولا قبولًا سواء لدى الجمهور أو المثقفين.. يقولون إن استعمال الكلمات بخفة دليل على غياب الأفكار.
لكن المسألة الآن تحتاج إلى وقفة ضرورية فى حياتنا السياسية والفكرية والاجتماعية، فالتيار السياسى الإسلامى، الصوت التاريخى للفكرة الدينية يمر بظروف صعبة نتجت عن تكرار للخطأ التاريخى فى الاصطدام بالسلطة.
فهل يعنى ذلك تراجع دور (الفكرة الدينية) عن دورها الأصيل فى الميلاد الجديد والبعث والنهوض؟ لا أتصور ذلك.. فهذا مما يناقض الواقع والتاريخ هذا أولًا.. وثانيًا فالأفكار تتطور من الأفكار.. والتجارب تتوالد من التجارب وفكر الإصلاح الإسلامى الذى قام متسائلًا عن أسباب (التأخر هنا والتقدم هناك) ثم قام بالبدايات الأولى فى خطوات النهوض.. هذا الفكر مر بمراحل تطور ونضج واكتمال استندت بعضها إلى بعض وامتد بعضها من بعض.. فما قدمه جمال الدين الأفغانى (1838-1897) كان امتدادًا متنوعًا لما قام به الشيخ حسن العطار (1766-1835) وأصحابه فى الأزهر الشريف، وما قدمه محمد عبده (1849- 1905) كان تطورًا نوعيًا بأفكار "الأفغانى"؛ رغم ما كان بينهما من خلاف خلال السنوات الأخيرة من عمرهما (تركزت أفكار عبده على الجانب الاجتماعى والتعليمى ورأى أن ذلك هو القاطرة القوية للإصلاح ولعل السنين العجاف التى مرت بها ولا تزال الحركة الإصلاحية/ الإسلامية تؤكد صحة أفكاره وما نادى به).. أيضًا ما قام به رشيد رضا (1865 – 1935) كان تطورًا بأفكار محمد عبده وهكذا.. لكن الصدام التاريخى المفتوح بين التيار السياسى الإسلامى والسلطة وما ترتب عليه من سجن وتعذيب وتقتيل أثمر ثقافة مشبعة بما عرف (بأفكار المحنة) نتجت عنها تصورات بعدت قليلًا عن الرؤى الأولى للإصلاحيين الكبار، ثم كان ما نعرفه جميعًا من الأثر الاجتماعى والفكرى بالغ السوء لهزيمة كل يوم 5 يونيو 1967م، ثم دخول المجتمع مرحلة السبعينيات وما تلاها من حكم السادات ومبارك، والتى سيجف فيها النبع الفياض لأفكار الإصلاح الكبرى، وسيزداد فيها الاحتكاك بالسلطة من خلال الانتخابات والصدامات التى تتوالى وتزداد فى تكرار غريب للأخطاء فى تقدير الواقع وموازين القوى، وما نتج عن كل ذلك من إرهاق شديد للمجتمع وإنسان هذا المجتمع الذى يمثل البنية الأساسية لحركة الإصلاح.. سنتذكر (المعطف) فى رواية الروائى الروسى الكبير (جوجول) الذى كان يتدثر به (أكاكى اكاكيفيتش) بطل الرواية رغم كونه قديمًا وباليًا، إلا أن حلمه فى امتلاك معطف فخم ينقلب إلى كارثة فوق رأسه فيسرق منه اللصوص معطفه الجديد ويصاب "أكاكى" بالذهول والحسرة.
إن يكن من أمر.. ستظل (الفكرة الدينية) هى الحقيقة الأكمل فى وسائل النهوض والبعث فى عالم الأشياء والأشخاص والأفكار كما قال مالك بن نبى (فنهضة مجتمع ما تتم فى نفس الظروف العامة التى تم فيها ميلاده الأول)، وعليه فإن إعادة بناء مجتمعاتنا  يرتبط ارتباطًا وثيقًا بساعة الميلاد الأولى التى تشكلت خلالها (الفكرة الإسلامية) وعليه أيضًا فإن (الدين) هو نقطة الانطلاق الأوفق والأصوب للتغيير الاجتماعى والبناء الإصلاحى الحقيقى.. ويبقى السؤال حارقًا ومفتوحًا على كل الإجابات: هل من ضرورة لتعبير سياسى عن الفكرة الدينية؟.

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

هل تؤيد قرار منع بيع الدواجن حية في المحلات؟

  • فجر

    04:43 ص
  • فجر

    04:43

  • شروق

    06:06

  • ظهر

    11:45

  • عصر

    14:57

  • مغرب

    17:23

  • عشاء

    18:53

من الى