• السبت 22 سبتمبر 2018
  • بتوقيت مصر07:23 م
بحث متقدم

خطورة معارك الأزقة الفكرية المظلمة في مصر

مقالات

تعاني مصر هذه الأيام من انسداد الأفق السياسي والانقسام الوطني الحاد ، وما يمكن أن نسميه "الفتنة الأهلية" ، وغلق الفضاء السياسي ، والحجر على أي خطاب سياسي معارض ، وخنق الأحزاب وتجميد مؤسسات المجتمع المدني بالكامل تقريبا ، واتساع نطاق الاعتقالات السياسية "الحبس الاحتياطي" والتوسع المخيف في أحكام الإعدام حتى أصبحت مصر في مقدمة دول العالم في إحصائيات عدد أحكام الإعدام ، كما يعاني الشعب المصري من بؤس الحياة بشكل عام ، والفقر المتنامي ، وضيق ذات اليد ، أو "العوز" بتعبير رئيس الجمهورية ، وتعاني الأسرة المصرية اليوم ، رجالا ونساء وأطفالا ، من توفير لقمة العيش فضلا عن فرصة العمل الكريمة ، فضلا عن توفير تكاليف الانتقالات ، فضلا عن مأساة أن تمرض في مصر ومعضلة أن تبحث عن حبة دواء أو عن سرير في مستشفى حكومي وانحدار منظومة التعليم وتحول ملايين المواليد الجدد نحو الأمية المقنعة .
وسط هذا العناء كله ، والتحديات الوجودية للبلد والناس ، يخرج عليك قطاع من النخبة ليفجر لك قضية الحق في إعلان الشذوذ الجنسي ، أو بتعبير بعضهم "حقوق المثليين" ، وتنشأ لك معركة فكرية صاخبة عن حقوق هذا القطاع من المجتمع ، ربما باعتبارهم "طائفة" جديدة مهضومة الحقوق ، ثم يدور نقاش فلسفي مدهش عن الفارق بين الشذوذ واللواط ، ثم يعقد لك بعضهم مقارنة مع "البلدان المتقدمة" وكيف أنها تمنح "الشاذين" حقوقا واسعة ، بل كيف تسمح بالزواج المثلي ، كأن يتزوج رجل رجلا ، وينبري إليك آخر لكي يعطيك درسا في الحضارة والحداثة وكيف أن حقوق الشاذين جنسيا أحد أهم شروطها ، إلى آخر هذا النقاش الغريب ، والذي تشعر معه أن أصحابه من المغيبين عقليا وضميريا ووطنيا وحتى إنسانيا ، لولا أنك تجد بينهم شخصيات فكرية أو أدبية أو فنية مرموقة ، وبعضهم يتقدم بوصفه "مناضلا" من أجل حقوق وحريات الشعب المصري .
عندما تخلص من معركة الشذوذ الجنسي وحق الشواذ في إعلان راياتهم المظفرة في ربوع مصر وربما تخصيص برامج تليفزيونية لمناقشة مشكلاتهم وقضاياهم وتوفير فرص التعارف والتزاوج ، تنفتح عليك قضية "الحجاب" وهل هو من الإسلام أم أنه ليس من الإسلام ، وهل هو مستورد من الوهابية أم أنه مستورد من العادات اليهودية قبل الإسلام ، وتجد مفكرين ومناضلين وأدباء ، يخوضون في تلك المعركة بكل بسالة وانفعال ، باعتبارها مفصيلة في وعي الشعب المصري ، وتتصور أنه إذا انتهينا من حسم قضية الحجاب فإن النهضة المصرية الكبرى ستشرق على العرب والعالم ، ويخرج السجين ويطعم الجائع وينتصر المظلوم وترفرف رايات : العيش والحرية والكرامة الإنسانية ، هذا على الرغم من أن قضية الحجاب بدأ النقاش فيها حديثا قبل حوالي مائة وعشرين عاما ، منذ العام 1899 ، عندما أصدر "قاسم أمين" كتابه عن "تحرير المرأة" ، وعلى مدار مائة وعشرين عاما لم ينته النقاش ولم يحسم شيئا ، فكل صاحب وجهة نظر مقتنع بفكرته ، ومع ذلك يصر بعض "نجباء" الفكر والأدب الآن أن يخوضوا معركة المائة سنة القادمة لعلهم ينتهون من حسم قضية الحجاب على رأس العام 2100 ، وينجحون في الاتفاق على السؤال : هل هو من الإسلام أم ليس من الإسلام .
قبل أن تنجح من الهرب من صخب قضية الحجاب والشذوذ الجنسي ، ستفاجأ بقضية أخرى تفرض نفسها على عشرات من الأدباء والنشطاء و"المناضلين" وهي قضية المساواة في الميراث بين المرأة والرجل ، وكيف أن التفريق في الميراث يعتبر ظلما للمرأة وإهدارا لحقوق المرأة المصرية ، وأنه آن الأوان أن نضع نصوص القرآن خلف ظهورنا ونعلنها قانونا مدنيا لا صلة له بالدين ، يساوي بين المرأة والرجل في الميراث ، ومرة أخرى تتطاحن الأقلام والسجالات "للمناضلين" من أجل حسم تلك القضية باعتبارها قضية الأمة وأهم أولوياتها .
في اعتقادي أن هذا "الضلال" السياسي في فهم أولويات الوطن وأوجاع أهله ، والتيه الفكري ، مرده إلى الإحباط الذي تعانيه النخبة ، بعد تهميش بعضها وترويض بعضها الآخر ، وأغلب القضايا التي تفكر في اقتحامها لها تكاليف ، وضريبة ستدفع ، وكثيرون لم يعودوا مستعدين لدفع تلك الضريبة ، فكان أن ملأوا فراغهم الفكري أو فرغوا طاقاتهم السياسية في "المأمون" في القضايا التي لا تفزع سلطة ولا تستنفر جهازا أمنيا ، ولا تقلق حكومة ، وهي قضايا تجد حنانا خارجيا ملحوظا أيضا ، ودعاية إعلامية مكثفة في الإعلام الغربي حتى لو كان صاحبها في الداخل تافها ولا قيمة له ، فمثل تلك القضايا باختصار : مغنم لا مغرم فيه ، ولذلك تمثل جذبا رخيصا لقطاع من النخبة المحبطة والمهمشة ، وفي اعتقادي أنهم يقدمون "هدية" للحكومة وأجهزتها ، فلن تجد أفضل من هذه النخبة لتغييب عقل الشعب عن أسباب معاناته الحقيقية ، وإدخاله في المتاهة وما يسميه العامة في مصر "الاشتغالات" .
لا الشذوذ الجنسي هو قضية المصريين الآن ، ولا معاناة الأسرة المصرية والمرأة المصرية سببها الميراث الآن ، ولا تعثر نهضة البلاد سببه غطاء من القماش على رأس المرأة ، والجميع يعرف ذلك ، ومع ذلك يغرقون في معارك الأزقة الفكرية المظلمة والخانقة ، هربا من استحقاقات النضال من أجل العيش والحرية والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية ، يهربون من النضال المكلف من أجل وطن بلا سجون ومعتقلات ، وطن بلا إعدامات سياسية ، وطن بلا عوز ولا فقر مذل ولا كرامة مهدرة ، وطن بلا استبداد ولا مصادرة للفضاء السياسي ، وطن بلا إخصاء وحصار خانق للصحافة والإعلام لحرمان الشعب من معرفة الحقيقة ، وطن بلا قوانين ظالمة تحرمه حتى من الصراخ من الألم ولو في مسيرة سلمية بحتة .
ما تفعله تلك النخبة المصرية الآن هو ـ باختصار ـ خيانة لشعبها ، وخيانة لوطنها ، وخيانة لميدان التحرير ، وخيانة لكل الأشواق النبيلة التي حلمنا بها في ثورة يناير .

[email protected]
https://www.facebook.com/gamalsoultan1/
twitter: @GamalSultan1

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

هل توقع فوز «صلاح» بجائزة أفضل لاعب فى العالم؟

  • عشاء

    07:27 م
  • فجر

    04:25

  • شروق

    05:48

  • ظهر

    11:53

  • عصر

    15:20

  • مغرب

    17:57

  • عشاء

    19:27

من الى