• الجمعة 17 أغسطس 2018
  • بتوقيت مصر03:30 م
بحث متقدم

لماذا كان من الضروري نقد الإخوان الآن ؟

مقالات

على مدار خمس سنوات ، منذ 2013 وأحداثها الصاخبة والدموية ، ونحن نتحاشى الحديث في مراجعات تلك المرحلة تفصيليا ، مراعاة لأجواء من الصدامات والتشنج والعصبية الشديدة من كل الأطراف ، كما أن كثيرا منا وجد أن النقد في تلك المرحلة قد يفهم على أنه جزء من حملة التشهير بهذا الفريق أو ذاك ، لذلك امتنعنا ـ إلا ما ندر ـ عن الخوض في تلك التجربة أو نقد أطرافها ، وخاصة جماعة الإخوان والرئيس الأسبق محمد مرسي ، وتركنا الفرصة للجماعة أن تجري مراجعات لأخطائها الفادحة والتي كان الجميع يرونها رأي العين ، وقسم غير قليل من قياداتها المهمشة أيضا رأوها وكتبوا عنها في صفحات التواصل الاجتماعي ، وكانت الجماعة قد اتجهت بالفعل إلى الاعتراف بأخطائها في نهاية 2013 وما بعدها ، وصدرت بعض البيانات التي تعتبر تمهيدا لذلك ، بل صدر بيان باسم الجماعة في بداية العام 2014 يعتذر للشعب المصري ثم أنكرته الجماعة بعد ذلك لأن الذين أصدروه هم مجموعة ما يسمى "المكتب الإداري" وهي مجموعة تعتبرها مجموعة محمود حسين منشقة عن الجماعة ، وبعد ذلك اختفت تلك الوجهة فجأة ، ثم بدأت الجماعة تتسلل في صمت الآخرين لتحاول ترسيخ صورة أخرى للمشهد ، هي فيه الضحية ، والآخرون ـ كل الآخرين ـ خونة وانقلابيون وعملاء تآمروا عليها وتحالفوا مع المجلس العسكري ضدها ، وأكثر من ذلك تتحدث تلك القيادات الفاشلة باسم ثورة يناير والشعب والديمقراطية ، ويبدو أن صمت الآخرين ـ تنزها ونبلا ـ أغراهم بتزوير المشهد وكتابة تاريخ مختلف لتلك الحقبة المهمة في تاريخ مصر ، فكان لزاما علينا ـ وطنيا وأخلاقيا ـ أن نفتح الملف الذي بادروا هم بفتحه وبيان الحقائق كاملة ، وكانت المناسبة الذكرى الخامسة لأحداث 3 يوليه ، بعيدا عن الهلاوس المعتادة لنشطاء الجماعة عن مؤامرات أسطورية خططت لها أنا وآخرون على خلفية مشروعات سياسية سرية يتم الترتيب لها ... إلى آخر هذا الهراء الذي طالما أضاعهم وعيشهم في الأوهام وخدر عقولهم وغيبها فلم يفيقوا من خدرهم إلا على كوارث جديدة .
أسباب ثلاثة اقتضت المبادرة بطرح وجهة النظر النقدية لتجربة الإخوان في السنوات الثلاث ، من 2011 إلى 2013 ، وهي سنوات الثورة والتأسيس للجمهورية الجديدة بعد إسقاط نظام مبارك ، السبب الأول هو ما تقدم توضيحه ، من سعي الجماعة لاستغلال صمت الآخرين لإعلاء صوتها بروايات مزورة عن تلك المرحلة ، والتستر على أخطائها بل خطاياها ، وتقديم نفسها ضحية ، وتعزيز صورتها بوصفها "الجماعة الربانية" الملائكية والباقون شياطين وخونة وعملاء ، وكنا نتنزه عن الخوض في المسألة ، حتى زادت وتيرة نشرهم وبياناتهم وتصريحاتهم وكتاباتهم ورواياتهم عن تلك المرحلة ، وتعمدهم إدانة الجميع ، إلا أنفسهم ، فكان أن رفعوا عنا الحرج في الكلام ، وكان لا بد من تقديم الرواية الكاملة للأحداث ، حتى لا تترسخ الروايات المزورة عن تلك اللحظة التاريخية بدون توضيح ، فتأتي أجيال بعدنا تقرأ تاريخا مزورا ، مثلما فعلت الجماعة من قبل في تجربة 1952 وما قبلها ، فوجه من وجوه ضرورة الكلام الآن هو حفظ حق الأجيال المقبلة في معرفة الحقيقة ، وحماية عقولهم من التضليل واسع النطاق الذي يمارسه الإخوان الآن ، والذي احترفوه طويلا في العقود الماضية .
السبب الثاني ، هو أن عدم اعتراف الجماعة بأخطائها الكارثية يعني أنها لم تتعلم شيئا من التجربة ، ويعني أن المستقبل سيكون مفتوحا على إعادة إنتاج مثل تلك الكوارث ، خاصة وأن عدم اعترافهم بأخطائهم الكارثية في تجربة عبد الناصر كان سببا مباشرا في وقوعهم في الخطأ نفسه في تجربة ثورة يناير والعام الذي حكموا فيه ، تقريبا بدرجة يصل تكرار الخطأ فيها إلى نسخة طبق الأصل ، ومشكلة هذه النوعية من الأخطاء أن عواقبها كارثية ، بكل معنى الكلمة ، تضيع على الوطن فرصة تاريخية نادرا ما تتكرر ، وتتسبب في إهدار طاقات جيل بكامله بل أجيال ، ما بين قتيل أو شريد أو سجين ، بدون أي معنى ولا منطق ولا مصلحة سياسية يعقلها أي مشتغل بالسياسة ، وهي دماء ومآسي ينبغي أن يحاكم عليها ـ ضمن من يحاكمون ـ قادة الجماعة ، الذين اتخذوا القرارات الخطأ في الأوقات الخطأ ، وضللوا شبابهم ، وخسروا كل معاركهم السياسية الكبرى بنفس الطريقة .
وفي أي تجربة سياسية في العالم كله ، القادة الذين يورطون شعوبهم أو أتباعهم في مثل تلك الكوارث يتنحون مباشرة ، فضلا عن مثولهم للمحاكمة السياسية الضرورية عن سوء إدارتهم للأزمة وما تمخض عنها من دم وخسائر فادحة ، لكن الجماعة لم يحدث فيها مثل ذلك أبدا ، بل يواصل نفس القادة الفاشلين الخاسرين تجاربهم في البشر ، ويقمعون أي نداء للإصلاح داخل الجماعة ويشوهون أصحابه ، ويقاتلون بكل ما أوتوا من مكر وقوة ليحولوا دون أن يوسع أحد الطريق لخبرات جديدة ، ولما كانت فكرة النقد الذاتي داخل الجماعة مستحيلة عمليا ، والمرشد لا يسأل عما يفعل وهم يسألون ، وهو تأليه يشمل أعضاء مكتب إرشاده بدرجات متفاوتة ، وقراراتهم الخاطئة واختياراتهم المدمرة دائما لها تفسير خفي وتأويل لدني لجوانب فيها من الحكمة والربانية لا يفهمها البشر العاديون أمثالنا !، ومن يشتم منه روائح النقد يتم تهميشه وعزله تدريجيا تمهيدا لفصله من الجماعة ، فكان لا بد للناصحين للوطن وقواه الحية أن تكون لهم كلمتهم الناقدة لما جرى ، وكشف الحقائق بكل جرأة ، وبدون طبطبة على أحد ، لأن حجم الخسائر والآلام لا تترك مكانا للمجاملات .
السبب الثالث الذي دعاني إلى فتح باب النقد للجماعة ، هو أن جرح الوطن ما زال مفتوحا ، والنزيف السياسي وغير السياسي ما زال مستمرا بدون نهاية مرئية ، وما زالت مصر تبحث عن طريق ، وعن خارطة طريق صحيحة ، سلمية وجادة وديمقراطية ، تستعيد الأمل في إحياء أهداف ثورة يناير والانتقال بمصر إلى دولة مؤسسات وتعددية سياسية وديمقراطية حقيقية ، وقد مرت خمس سنوات منذ أحداث 3 يوليو ، وانتهت الأمور فيها إلى خريطة سياسية شبه ثابتة للقوى المختلفة ، بميزان سياسي غير متكافيئ بين السلطة والمعارضة ، وبدون أدنى شك ، فإن أي مشروع سياسي وطني جديد للإنقاذ سيصطدم بجماعة الإخوان ككتلة شعبية منظمة ووجود سياسي لا يمكن إنكاره ، وبالتالي كان من الضروري تقييم التجربة والمرحلة ، تمهيدا لطرح أفكار للخروج من الأزمة ، وهذه الأفكار لا يمكن طرحها بدون عرض وجوه الأزمة كافة ، وأسبابها ، وكيف وقع الانحراف ، وكيف حدثت الأخطاء ، وهذا كله ما يفضي بنا إلى رؤية عملية وسليمة لحركة وطنية مصرية جديدة للإنقاذ ، وكيف يمكن استيعاب الكتلة الشعبية للإخوان في الحياة العامة بما لا يعيق التطور السياسي للوطن .
والحقيقة أن الإخوان ـ الآن ـ لم يعودوا عبئا على النظام القائم ، فقد فرغ منهم ، وأصابهم بضربات أعجزتهم عن أي حراك ذي قيمة ، لأنهم تورطوا في معركة صفرية طالما حذرناهم منها ومن عواقبها ، الإخوان اليوم عبء على المعارضة نفسها ، وعلى أي حراك وطني للإنقاذ ، يدمرون أي مشروع يطرح ، ويشوهون أي فكرة تقدم ، ويحقرون أي معارض للنظام لا يحمل ختما معتمدا من قادتهم ، ويخربون أي جهد وطني للتوحد ما لم يركبوه هم ، لأنهم ما زالوا يرون أنفسهم عباءة الوطن ، وقادة المعارضة ، والجماعة الربانية ، فهم في الواقع العملي حاليا من أعظم الداعمين لنظام الرئيس السيسي وخط الدفاع الأول والأساس له ضد أي تحرك معارض جاد .
كما أن حسابات الجماعة ما زالت تراهن على فتح جسور خاصة بهم مع النظام ، بعيدا عن الجماعة الوطنية بكاملها ، وبعيدا حتى عن حلفائهم الذين ضحوا معهم وتحملوا أعباء المرحلة القاسية ، وقد خطوا خطوات في هذا الطريق خلال الأشهر القليلة الماضية ، وهو استكمال لصفقات الغرف المغلقة التي اعتادوها ، إعادة انتاج لنفس تجربة 2013 بصيغة أخرى ، وبمعادلات قوة مختلفة هذه المرة ، لا يتعلمون من درس ، ولا يستفيدون من جراح ، والوطن في النهاية يدفع فاتورة هذا العبث الإخواني المستدام ، وتلك الانتهازية المقيتة .

[email protected]
https://www.facebook.com/gamalsoultan1/
twitter: @GamalSultan1

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

هل تؤيد خطة تطوير التعليم في مصر؟

  • عصر

    03:42 م
  • فجر

    03:57

  • شروق

    05:27

  • ظهر

    12:04

  • عصر

    15:42

  • مغرب

    18:41

  • عشاء

    20:11

من الى