• الأربعاء 15 أغسطس 2018
  • بتوقيت مصر10:33 م
بحث متقدم

حكايتي .. وابتسامة هوليود (2)

مقالات

تهكّم كثير من لداتي وأصدقائي المقربين على ما قرأوه في المقالة السابقة وتجربتي في ابتسامة هوليود، ومروري بتلك الآلام الفظيعة ولسان حالهم: "ذق بعضاً مما سببته لضيوفك في برنامجك"، وشمت بعضهم بقوله: "وهل يُصلح العطار ما أفسد الدهر؟!" لامزين بمحاولة التصابي هذه، فيما جزم الأغلب بأن تجربتي هذه إنما هي نية زواج بالثانية، وهم أدرى بما يخترم الخمسينيين من محاولات الاهتمام بالشكل والمظهر، كأعراض تتبدى لأزمة منتصف العمر للرجال، وأكد ذلك الطبيب الشاب د. محمد صندقجي بأن ثمة رجال في الستين وأزيد يأتونهم بسبب غرض الزواج بثانية.
التهمة تتأكد بمحاولاتي الجادة في إنزال الوزن، وتورطت فعلا معهم رغم دفعي للفرية، إلا أن زوجي تطالع أكيداً الألم الذي آتي به عقب كل جلسة، وابتهالاتي ودعواتي الله أن ينتهي هذا العذاب، والحقيقة أنني وقعت ضحية عدم اهتمام بأسناني من طفولتي، دفعت ثمنه وأنا بالخمسين، وكما نقول في أمثالنا الشعبية: "ما دام خسرانة خسرانة.. أكمل"، وها أنا أكمل الجزء الثاني من قصتي مع ابتسامة هوليود والتي لم تنته فصولها بعد، وإن كنت في الشوط الأخير، وسأكتب لكم لاحقا تفاصيل نهايتها إن شاء الله.
أرسل لي البعض يستغرب من طول الجلسات التي قالوا بأنها لا تتجاوز 3 جلسات فقط لابتسامة هوليود، وهم للأسف قاسوا على مراكز التجميل التجارية التي تضحك على النساء بتلبيسات مؤقتة فقط، دونما علاج جذري وحقيقي لكامل الأسنان، بما يفعله د. سامي فارسي بخبرته العريضة، وطبيبي الماهر والشاب د. محمد صندقجي، فالمسألة تعتمد على حالة الأسنان، التي لا بد من ترميمها كاملة قبل الدخول في علمية التركيب الأخيرة، وبسبب حالة الكزكزة التي لدي؛ انكشف العصب في معظم أسناني وقتما قام د. محمد بتبريد ونحت الأسنان، فدخلت في دوامة ألم شديدة تجتاحني عند شرب الماء البارد أو أكل الطعام الحار، فكان لا بدّ من إزالة العصب ابتداء، وتلك مرحلة عذاب أخرى مبكية.
د. نورا النجار طالبة في مرحلة الزمالة، وتمّ تحويلي لها بمستشفى الملك فهد بجدة، وأخبرني الأصدقاء بأن أصعب مرحلة هي إزالة العصب، والحقيقة أنه من حسن حظي أيضا إحالتي لهذه الطبيبة الماهرة التي لم أجد في حياتي أحدا يضرب إبر التخدير مثلها، وكنت أتهكم على د. صندقجي بأن يدكم أيها الرجال صلبة، ونشعر بالإبرة تصل للمخ من ألمها، عكس د. نورا التي من المفترض أن تأخذوا دورة عندها في كيفية الوخز. أتذكر أنني سألتها في آخر جلسة عصب لي عندها عن سرّ إجادتها، فقالت بأن البطء والهدوء في حقن سائل التخدير وعدم العجلة هما السرّ، وأن الوخز في الفك العلوي أقل ألماً من السفلي الممتلئ بالأعصاب، وكذلك موضع الوخزة، فكلما توغلت للداخل يؤلم أكثر من مقدمة الفم.
مضت الجلستان الأولى والثانية مع د. نورا بكل يسر، ما ثمّ إلا الألم المعروف الذي لا بدّ منه ونستطيع تحمله، ولكن المصيبة كانت في الجلسة الثالثة، حيث حَرنَ عليها ضرسٌ كبير في آخر الفك السفلي واستعصى، والتهب العصبُ فيه ولم يستجب لإبر التخدير، وفي الضروس الكبيرة هناك 4 أعصاب في الواحدة، ويا لهول ذلك اليوم!! حيث كنت أتجالد في المرتين السابقتين فطرة أمام الدكتورة كونها سيدة، وكنت أصبّر نفسي كي لا أظهر ضعيفا خائرا يجبنُ من الحفارات والإبر، بيد أنه مع تزايد الألم الذي كان فوق قدرة تحمّلي؛ طار ذلك التجالد وتبددت الرجولة، فبتّ أصيح وأئنّ كطفل، وجسمي يهتز بكامله ويقوم، وقدماي ترفسان، وبضع دمعات انسكبت رغما عني من قوة ألم في عصب الضرس العصيّ،
الطريف وأنا في حالة الاحتضار تلك، تتوقف د. نورا وتسأل بكل براءة بلغتها الحجازية: تشعر بألم؟!، لتستوفز كل حواسي عجبا وقهرا، ولا أملك إلا أن أجيبها بعينين مهزومتين مكسورتين دامعتين، فأنا لا أستطيع الإجابة، ففمي به من الأدوات والمشارط المعلقة على شفتي السفلى ما يمنعني حتى من الإيماء.
وما لبثت د. نورا أن قامت بحقن ذلك العصب الملتهب بمادة، فسكن وأكملتْ عملها بحفاراتها وخيوطها العجيبة، وأنا أتنفس الصعداء، بيد أنني كنت في وضع تأهب وتحفز طيلة ساعتين، خشية المباغتة التي لطالما دهمتني، فلم أعد آمن من غدر العصب وألمه، ووقتما انتهت تلك الطبيبة التي أجزم بأنها كفاءة كبيرة وسيكون لها اسما كبيرا بمجالها في المستقبل، قلت لها : سامحك الله دكتورة، ألا ترين بدني كله يتلوى من فرط العذاب، ولكأنني في حالة احتضار حقيقية، وتسألينني هل أشعر بألم؟!، فتبتسم وتقول لا بد أن أخفف عنك بالحديث.
جلسة العصب الأليمة هذه؛ لازمتني إلى هذا الوقت، فبرغم إكمالها لبقية الأسنان التي مضت بسلام والحمد لله، إلا أن الرعب الذي اجتاحني وتغلغل عميقا في نفسي يشعرني أن الآلام لمّا تزل كامنة، وبكل ألمها وعذابها، ومن الطرائف أنني كلما أرى اتصال د.نورا في جوالي كي تحدد موعدي المقبل؛ أجفل وأهلع، وتتسارع دقات قلبي، ويتعرّق جبيني، وأمكث طويلا مترددا: أأرد عليها أم لا؟ كل ذلك بسبب الفوبيا التي تجذرت بأعماقي.
في آخر جلسة لي قبل أيام كان د. محمد صندقجي يفكك حشوات قديمة لضرس مهترئ، لم نُزل العصب فيه، لذلك بدأ بدوره يحرن ويستعصي ويؤلم رغم إبرة التخدير، فتوقف طبيبي الشاب وقال لي: "لا أستطيع المضي وأنت بهذا الألم، لا بد أن تذهب للدكتورة نورا"، أتذكر أن عينيّ جحظتا وأنا متمدد على سرير العذاب ذاك، وتسارعت دقات قلبي، وبتّ كذلك الطفل المرعوب، وتوقف نفسي وأنا أستحضر جلسة التعذيب تلك، وتلبستني تلك المشاعر التي حكيت، ولكأنما أحسّ بي طبيبي الرائع وما اكتنفني، فرأف بي وقال لي سنكمل، وتحتاج أن تصبر قليلا، 
ووالله إن الضرس الملتهب سكن فجأة، بل كامل الفك لم أعد أشعر به، وأكمل الرجل عمله بحفّاره الذي صال وجال بلا أي ألم، حتى انتهى الرجل تماما دونما شعور مني بأي وخزة حتى، همهمت حينها أن جماعة البرمجة العصبية محقين في قضية تأثير اللاوعي لدى الانسان.
ألقت جلسة العصب تلك بحمولاتها عليّ، فعادتي الحضور قبل الموعد دوما بربع أو ثلث ساعة وأنتظر، وأنا في حالة فرح وجذل عالية، منتظرا أن ترتسم في مبسمي ابتسامة هوليوود الساحرة، بيد أنه بعد جلسة الرعب تلك؛ بدأت أتثاقل وأسحب قدميّ سحبا لأحضر، ولكأني أحمل جبال تهامة فوق كتفي.
بسبب خلع ضروس العقل في أزمنة فارطة لي، تكوّنت فراغات لا بد من ملئها، وكانت ثلاثة فراغات تحتاج أن تملأ، وقال د. محمد سنكتفي بواحدة، ونستغني عن واحدة، ونعمل جسرا للأخيرة، فقمت أجادله والدكتور الخلوق سامي فارسي، بضرورة زرعها كلها، وأنا من قلة معرفتي متوهمٌ بأن الأصعب كان العصب وقد مضى، غير أنهما قالا بعدم إمكانية ذلك لأن عظم الفك السفلي ليس متينا بما يكفي ليتحمل، ولم أجد بدّا إلا أن أقوم بعملية الزراعة في مستشفى الأسنان بجامعة الملك عبدالعزيز، وقام به طالبُ زمالة يشرف عليه أحد دكاترة الجامعة.
تحلّق حولي بضعة طالبات، وقام الطبيب الشاب بعمله في التخدير، وأمضى ساعتين وأكثر، وقام التخدير القوي بدوره، وهذه المرة استخدم المطارق لتعديل كامل الفك، ومضي مستمتعا وهو يطرق بقوة، ممارسا سادية أطباء الأسنان فينا، حتى خاط الجرح الذي فتحه، وقال بانتهائه، وكان الدكتور المشرف يطلُّ علينا لماماً ويمضي، وعقب انتهاء العملية بدأت أشعر بالدوار والتعب، وبدأ التخدير ينفك عني، وإذا بآلام مبرحة جدا لا تحتمل تنبجس من كل فكي، ورغم دواء المسكّن والغسول اللذين كتبهما لي؛ إلا أن الألم يبرّح بي بشكل حاد، وعشت دوارا وآلاما فظيعة، لا أستطيع الأكل إلا ارتشاف السوائل الباردة، واكتفيت بالزبادي واللبن، والحقيقة أن كل ما أمضيته من شهور طويلة مع د. محمد و د. نورا في جهة، وما عانيته من آلام بسبب زراعة السنّ في جهة أخرى، والتي بقيت معي لأسبوع كامل، ثم خفّت إلى حدّ ما وأنا في سفر بعيد.
وقتما عدت بعد أسبوعين، كشف د. محمد على السنّ، واكتشف أن العملية لم تنجح للأسف، وطلب أن أعود للطبيب في المستشفى الجامعي لأعيدها، ورفضت تماما بعد أن مررت بتلك التجربة الصعبة، وعلقت متهكما على نفسي: وأنا الذي من غفلتي أصرّ على أن تكون زراعة ثلاث لا واحدة!! وأحجمت تماما عن فكرة إعادة زراعة السن، والحقيقة أني أحمّل مسؤولية الفشل للدكتور المشرف على الطبيب الشاب، وللأسف تحدث كثيرون عن لا مبالاة أطباء الجامعة، وهذه مسألة أرفعها لمعالي الدكتور عبدالرحمن اليوبي مدير جامعة الملك عبدالعزيز بأن سمعة مستشفى الجامعة باتت في الحضيض بعد أن كان يُضرب بها المثل قبل عقود، ذلكم أن معظم الدكاترة لا يهمهم إلا البزنس الخاص بهم، فلا يهتمون ولا يأبهون أن يقوموا بعملهم الأصلي في المستشفى الجامعي، وهذا أمر يجب أن يكون للجامعة قولٌ فصلٌ فيه،
 وهاتفتني عدة شخصيات طبية حكيت لها بأن الفساد والمحسوبيات والإهمال تخترم المستشفى الجامعي ومستشفى الأسنان بالجامعة، وهذا أمر مؤلم والله، وها أنا ضحية إهمال لدكتور كان يمرّ لماما علينا في عملية جراحية تحتاج لخبرة ومكنة وحرص منه، وللأسف لم يقم بواجبه في مساعدة الطبيب الشاب.
حمدت الله أنني أتيت مستشفى الملك فهد، الذي وجدت فيه انتظاما ومسؤولية، وأطباء مميزون وملتزمون، وأشكر فعلا د. فوزي الغامدي على إدارته الرائعة وضبطه ومتابعته، ولعلهم إن انتقلوا للمبنى الجديد سيكونون علامة فارقة على مستوى المملكة في مجال الأسنان، ويتمايزون عن مستشفى أسنان الجامعة المتهاوي سمعة وأداء.
ممتنٌ جدا للطبيبن الشابين د. محمد صندقجي و د. نورا النجار، وأجزم بأنهما سيكونان مميزان واسمان كبيران في مجالهما، والحقيقة أن ما خفف عليّ همّ هذه الابتسامة الشؤم، هو هذا الطبيب الشاب بدماثته وأدبه الرفيع ودقة عمله وتواصله الدائم معي، ولا يتحمل ما حصل لي من ألم، فهذه طبيعة مهنته، وقلت لابنتي غادة بعد تجربتي: تخصّصي في أي مجال طبّ، إلا طبّ الأسنان، فلن يحبك أحد مهما فعلت.
أختم بنصيحة من صميم تجربتي: ليس مثل الأسنان الطبيعية، فحافظوا عليها، وإياكم وحكاية هوليود هذه، فثمة عذاب لا ينتهي ينتظركم، وآلام تترصدكم قبل أن تسترخي الابتسامة في مبسمكم، وانتبهوا لأطفالكم في أسنانهم، كي لا يدفعوا الثمن وهم كبار.
تمنوا لي نهاية قريبة سعيدة مع هذه الابتسامة، وعساها تضبط على ثغر خمسيني فاته القطار، وأمطروني بدعواتكم في هذا الشهر..

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

هل تؤيد خطة تطوير التعليم في مصر؟

  • فجر

    03:56 ص
  • فجر

    03:55

  • شروق

    05:25

  • ظهر

    12:04

  • عصر

    15:42

  • مغرب

    18:43

  • عشاء

    20:13

من الى