• الخميس 14 ديسمبر 2017
  • بتوقيت مصر03:01 م
بحث متقدم

الرقصة الأخيرة للشاويش صالح

مقالات

أخبار متعلقة

علاقتي باليمن قديمة تعود إلى تسعينيات القرن الماضي عبر صداقات متينة ربطتني بصحفيين يمنيين من توجهات مختلفة. زرتها عدة مرات وكانت لي فيها جلسات مع زعامات كبيرة سياسية وقبلية، ولكن تظل معرفتي بالشيخ الجليل عبدالمجيد الزنداني عالقة في نفسي لكثرة المقابلات التي عملتها معه، أولها عندما كنت صحفيا صغيرا تحت التمرين، وكان هو أحد أبرز الحاضرين لمؤتمر الإعجاز العلمي للقرآن الكريم الذي شهدته القاهرة في الثمانينيات.
في زيارة لبيته في أحد أحياء صنعاء في عام 2000، فتشت تفتيشا دقيقا من حرسه على البوابة قبل أن يسمحوا لي بالدخول. حينها استغربت ذلك، فأنا ذاهب بناء على موعد معه لتناول الغداء. لكن اليمن كان قد تغير ولم يكن على علاقة ود بلقبه القديم "السعيد". كانت حروب الثعابين عاتية فيه، ولابد أن الشيخ الزنداني بوصفه أبرز زعامات التجمع اليمني للإصلاح على رأس المستهدفين.
بخفة دمه المعهودة ضحك طويلا وأنا استفسر منه عن سبب تفتيشي ذاتيا بهذه الطريقة. قال ضاحكا لقادة حرسه الخاص "انتو عملتوا فيه ايه"!!
كل إجاباته عن أسئلتي كانت سياسية. يتحدث بدقة وحكمة كأن هناك من يسجل علينا ما نقول. الرئيس صالح خط أحمر، لكن ممكن أن تسمع الكثير مما يخيف وأنت في حالة "أوف ريكورد". هذا الحرص من الزنداني وتحويله الكلام برقة إلى جهة أخرى، أظهر لي إمبراطورية الخوف التي نسجها  الرئيس علي صالح حول نفسه.
في زيارة سابقة لصنعاء أوائل التسعينيات، وفي مقر التجمع اليمني للإصلاح سمعت من أمينه العام المساعد محمد عبدالله اليدومي الكثير عن حجم الأزمة في اليمن المثقل بالبؤس والمرض. ليس بلدا سهلا رغم طيبة أهله وقدرتهم على استيعاب الصعاب. كان أكثر ما يخشاه هو دأب علي عبدالله صالح على خلق أجواء المؤامرات وتبديل التحالفات، وقد كان رئيسا قويا في ذلك الحين ممسكا بمعظم الخيوط.
نفس الكلام كرره على مسامعي الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر رئيس تجمع الإصلاح وشيخ قبيلة حاشد، عندما استضافني في مجلس كبير ملحق ببيته في صنعاء وكان معه تجمع من كبار رجال القبيلة وسياسيين يمنيين من مختلف الأطياف.
هذه الأحاديث وما يردده أصدقائي من صحفيين يمنيين جعلني أتمنى التعرف على الثعبان الكبير، علي عبدالله صالح. تحققت الأمنية عندما دعوت لأكون أحد المراقبين الدوليين للانتخابات النيابية في اليمن، وكان حزب المؤتمر كالعادة هو المهيمن عليها.
التقيته في مكتبه ضمن مجموعة من المراقبين تم انتقاؤها. سألته عدة أسئلة عن أوضاع اليمن والعالم العربي. ذاكرتي تحتفظ بتوصيف الرئيس الراحل أنور السادات له في خطبه، وهو توصيف "لطيف" جدا . الشاويش علي عبدالله صالح.
ألعوبان سياسي.. صريح.. لماح. مناور. يخرج بالحديث أحيانا إلى النكات والضحك. سخر من طريقة كلام أحدنا وراح يقلده وهو يضحك معقبا بأنه لم يفهم منه كلمة واحدة بسبب سرعته في نطق الحروف.
لكن أهم ما قاله لنا إنه ليس اليمن وحده التي تتطلب من الحاكم الرقص مع الثعابين. كل العالم العربي كذلك. البيئة السياسية واحدة من المحيط إلى الخليج. قطعا لم تتلبسه زرقاء اليمامة أو روح الساحر – كما وصفه المحللون أحيانا - ليتوقع أن رقصة الثعابين سيخرج منها سالما في كل مرة. 
عرف كيف يرقص ويراقص قطار الربيع العربي الذي مر من صنعاء. لكنه رقص رقصته الأخيرة ولقي مصير القذافي، وصورة جثته تتناقلها وسائل الإعلام.
ما أبعد نظر وحكمة السادات، فقد أثبت الفصل الساذج الأخير من تقلباته السياسية أنه بالفعل "شاويش"!
تذهب الكراسي والإمبراطوريات وكل ما يظنه الديكتاتور باقيا حوله للأبد.. ولا يبقى إلا وجه ربك.


تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

لمن ستعطى صوتك فى الانتخابات الرئاسية المقبلة؟

  • مغرب

    04:59 م
  • فجر

    05:21

  • شروق

    06:50

  • ظهر

    11:55

  • عصر

    14:40

  • مغرب

    16:59

  • عشاء

    18:29

من الى