• الخميس 14 ديسمبر 2017
  • بتوقيت مصر04:46 ص
بحث متقدم

محمد (صلى الله عليه وسلم) كما عرفته

وجهة نظر

علاء سعد حميدة
علاء سعد حميدة

علاء سعد حميده

أخبار متعلقة

المعرفة الحقة معايشة وحضور وارتباط وحب، فالمعرفة العقلية المجردة باردة لا تصنع حُبا ولا تفرض علاقة تبعث على التعلق والاقتداء، المعرفة التي أقصدها هي تفقّد حال الحبيب في كل موقف من مواقف الحياة.
 قبل عِقدين من الزمان أطلت في السجود بينما اعتلت ظهري طفلتي الصغيرة، وعندما سلّمت من الصلاة، ابتسمت لي زوجتي وقالت –رحمها الله-: "لا تترك فرصة ما إلا وتحاول فيها الاقتداء بحبيبك رسول الله".
والحقيقة أنني لم أعرف محمدا (صلى الله عليه وسلم)  كنبيٍّ رسول مبلغ رسالة ربه عز وجل فحسب، بل عرفته كذلك كمركز الكمال المطلق بين البشر، أدركت مبكرا أن إرادة أي رقي أو تميّز أو ريادة أو تفوّق في مجال من مجالات الحياة ترتبط ارتباطا طرديا وثيقا بمعرفة كيف كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في هذا المجال، والاقتداء به لمحاولة الوصول إلى قمة الكمال في ذلك المجال، وكلما زاد التشبّه والاقتداء، كلما زاد الارتقاء في كمالات النفس.
محمد (صلى الله عليه وسلم)  مركز إشعاع مكارم الأخلاق: يقول تعالى: (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) القلم4، ويقول سيد الرسل: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"، وتصفه رفيقة حياته منذ ريعان شبابه خديجة رضي الله عنها وأرضاها بعد أن عاشرته نحو خمسة عشر عاما كاملة وعرفت حقيقته من الداخل، عرفته زوجا وأبا ورجلا، بجمعه لمكارم الأخلاق: (كَلا وَاللَّهِ مَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ). إن قادة وزعماء ونجوم العالم في كافة المجالات يصنعون مسافة بينهم وبين مُحبّيهم، فلو اطّلع الناس على سلوك حياتهم اليومي الشخصي فسيدركون كثيرا من نقائصهم البشرية، إلا رسول الله (صلى الله عليه وسلم)  فلقد دخلنا بيته وعرفناه مع زوجاته وبناته وأطفاله، عرفناه مع ضيوفه، عرفناه في كل أحواله، وأحاديث زوجاته أمهات المؤمنين تملأ كتب السُنّة، حتى في خلجات نفسه التي لم يطّلع عليها بشر قط، سجلها القرآن الكريم، كقوله تعالى: (وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ) الأحزاب37.

رسول الرحمة: و(َمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ( الأنبياء107، (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ) التوبة128، (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ? وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ) آل عمران159، إن تجلّيات الرحمة في حياة رسول الله كثيرة وعظيمة، ومع صفة الرحمة وقفتان، الأولى تطبيقها في حياة أتباع محمد، فكلما رحمتَ الخلق، كلما اقتربتَ أكثر من رسول الله، وهذه هي وصيته: "الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمْ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا أَهْلَ الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ أَهْلُ السَّمَاءِ"، فمتّبع رسول الله لا يمكن أن يكون قاسي القلب، وهو الذي أمرنا بالرحمة حتى بالحيوان، ولو عند الذبح: وليرح ذبيحته. 
الثانية: أن كل ما كَلّفَنا به النبي وما سَنّه لنا وما بلّغه عن ربه الرحيم سبحانه، إنما راعى فيه صفة الرحمة بنا، فلا عنت فيه ولا مشقة. فليس في أوامر الإسلام سوى الرحمة الكاملة للمجتمع جميعا.
رسول الإنسانية: رغم أن مكارم الأخلاق عموما وصفة الرحمة خصوصا تمثل أعلى مراتب الإنسانية، فإن الإنسانية بكل ما في الكلمة من معنى تجسّدت في فِعال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ، قد يكون القائد إنسانيا مع أصحابه ورجاله، ولكن أن يكون إنسانيا مع ألد أعدائه فهذا ما لم يعرفه التاريخ سوى في رسول الله محمد، في أعقاب غزوة بدر تأثر النبي تأثرا بالغا حتى دمعت عيناه حينما أنشدته قتيلة بنت الحارث، أبياتا تبكي أخاها الذي قُتل أو مات –أسيرا-قبل المدينة.
أمحمد يا خير ضنيء كريمة     في قومها والفحل فحل معرق
ما كان ضرّك لو مننتَ وربما    مَنَّ الفتى وهو المغيظ المُحنق
أو كنتَ قابل فدية فلنأتين         بأعز ما يغلو لديك وينفق
فالنضر أقرب من أسرت قرابة      وأحقهم إن كان عتق يعتق
.... إلى آخر ما قالت، وقال الرسول الإنساني ذو القلب الرحيم: لو بلغني هذا قبل قتله لمننت عليه ..
ومَنْ النضر هذا الذي دمعت عينا الرسول وتأثر عليه؟ كان من شياطين قريش وأشدهم إيذاء لرسول الله ....، إنه من مُجرمي الحرب بالمصطلح الحديث!
قمة الوفاء ونعم الزوج: خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي، (ثم يجلس عند بعيره فيضع ركبته فتضع صفيه رجلها على ركبته حتى تركب)، ويقدم الجيش ليسابق عائشة، وإذ كسرت الصحفة في وجود صحابته قال: غارت أُمُّكم، غارت أمكم، رسول الأُمّة الذي دعا إلى الدين، وربَّى الناس، وعلّم الصحابة، وحكم بين الناس، وقاد الغزوات، وعقد المعاهدات، وقابل الوفود، فهو الداعية الأول والمربي الأعظم والحاكم الأعدل والقائد الحربي الأشجع، وهو الإمام وهو المُعلّم، ثم يكون في خدمة أهله! قالت عائشة: كان يكون في مهنة أهله فإذا حضرت الصلاة، خرج إلى الصلاة، وعن عائشة قالت: "كنت أشرب وأنا حائض ثم أناوله النبي صلى الله عليه وسلم فيضع فاه على موضع في فيشرب، وأتعرّق العرق وأنا حائض ثم أناوله النبي صلى الله عليه وسلم فيضع فاه على موضع في" ، وصناعة المرح في البيت والأهل، عن عائشة رضي الله عنها قالت: زارتنا سوده يومًا فجلس رسول الله بيني وبينها, إحدى رجليه في حجري, والأخرى في حجرها, فعملت لها حريرة فقلت: كلى !
فأبت فقلت: لتأكلي, أو لألطخن وجهك, فأبت فأخذت من القصعة شيئاً فلطخت به وجهها, فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم رجله من حجرها لتستقيد منى, فأخذتْ من القصعة شيئاً فلطخت به وجهي, ورسول الله صلى الله عليه وسلم يضحك. الاعتراف بالحب، يقول عن خديجة رضي الله عنها: إني رُزِقتُ حبها، ويجيب عن سائله عن أحب الناس إليه: عائشة. كان النبي صلى الله عليه وسلم اذا كان بالليل سار مع عائشة يتحدث. إن حياة محمد (صلى الله عليه وسلم)  في بيته ذلك الكتاب المفتوح، ينهل منه كل محب وعاشق تجمع كل عناصر الرقة والملاطفة والتدليل والحب والتعاون والتجاوز عن الهفوات ومراعاة المشاعر، إنها أدق من دستور، وأعمق من وصايا الحب والعشرة، إنها منهج متكامل فذ فريد للسعادة الزوجية والمرح الراقي الجميل، فهل يبقى بعد ذلك من أسباب النكد الزوجي والخرس العاطفي شيء؟! والله ما ترك لي رسول الله ذريعة بانشغال، ولا ادّعاء بضغوطات الحياة، فهذا هو أعظم من ابتُلِيَ في تاريخ البشرية يجعل بيته هكذا، فبأي ذريعة أتذرع؟! وعن وفائه الدائم لخديجة رضي الله عنها، فليس له مثيل، تترقرق عيناه بالدمع إذ يرى قِلادتها تفتدي بها ابنتُه زينب أسيرَها العاص بن الربيع في غزوة بدر، ويذبح الذبائح فيُهدي صاحباتها، ويقول: «لا والله ما أبدلني الله خيراً منها، آمنت بي إذ كفر الناس، وصدّقتني إذ كذّبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني منها الله الولد دون غيرها من النساء» ، والله ما أراني أجرؤ على إعلان ذلك عن زوجة تُوفيت في وجه زوجة باقية، غير أنه وفاء محمد!
محمد (صلى الله عليه وسلم)  والعرفان بالفضل: قال يوم بدر: "ومن لقى أبا البختري بن هشام بن الحارث بن أسد فلا يقتله"، وكان ممن قام في نقض الصحيفة التي كتبت قريش على بني هاشم وبني المطلب، بأبي أنت وأمي يا سيدي يا رسول الله، لقد كان المسلمون على أعتاب غزوة فاصلة، بل هي أهم معركة واجهت المسلمين، فهي المعركة الأولى، والنبي يعلم أن عدد المشركين يفوق ثلاثة أضعاف المسلمين، وأن قريشا قد ألقت إليهم بفلذات أكبادها، وفي قواعد العلوم العسكرية أن لكل حرب ضحايا، وباسم الضحايا يُقتل مئات المدنيين، وفي معركة الإسلام الفاصلة، يوصي رسول الإنسانية والوفاء والعرفان والرحمة، برجال، ليسوا مدنيين، وإنما جاءوا محاربين -ولو كانوا مُكرهين-عرفانا بسابقة فضل لهم على المسلمين بمكة، فأي سمو وأي شموخ؟ وأي أخلاق هي إن لم تكن أخلاق النبوة؟!
عرفتُ رسول الله (صلى الله عليه وسلم)  كاملا لا يدانيه أحد من خلق الله، وعرفته متفقّدا لأصحابه تفقد الأم لولدها، وعرفته آخذا بحُجز الناس عن النار، وعرفته مُيسّرا لا مُعسّرا، مُبشّرا لا مُنفّرا، عفيفا كيما مقداما، مواضعا، يجلس حيث ينتهي به المجلس، لا موكب ولا حرس، إذا قام القوم للعمل كان عليه جمع الحطب، وإذا سار الناس لم يركب دونهم، وإذا ربطوا على بطونهم حجرا، ربط على بطنه حجرين، وإذا أعد له جابر بن عبد الله الأنصاري صنيعا، دعا عليه جيشا، لأنه لا يرى نفسه أولى بالشبع منهم، عرفته (صلى الله عليه وسلم)  فما أنصفته من نفسي، كما قال بن خيثمة رضي الله عنه، فعذرا يا رسول الله، حسبُنا أننا نُحبك حُبا جَمّا عسى أنْ يحشرنا الله تعالى في زمرَتِك، ويُوردُنا حوضَك، وتنالنا شفاعتك.

عضو رابطة الأدب الإسلامي العالمية




تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

لمن ستعطى صوتك فى الانتخابات الرئاسية المقبلة؟

  • فجر

    05:21 ص
  • فجر

    05:21

  • شروق

    06:50

  • ظهر

    11:55

  • عصر

    14:40

  • مغرب

    16:59

  • عشاء

    18:29

من الى