• الأربعاء 13 ديسمبر 2017
  • بتوقيت مصر09:11 م
بحث متقدم

وقفات شرعية مع أحكام الفاحشة فى القرآن الكريم والسنة النبوية

أخبار الساعة

أحمد السيد على إبراهيم
أحمد السيد على إبراهيم

المستشار / أحمد السيد على إبراهيم

أخبار متعلقة

الحلقة الأولى
إن الحمد لله ، نحمده ونستعينه ، ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ، وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادى له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، أما بعد ....
فمنذ أن خلق الله آدم عليه السلام ، وخلق له حواء واستخلفهما وذريتهما لعبادته – سبحانه وتعالى – بدأت حرب شرسه لا هوادة فيها ، بين الحق الذى يمثله المؤمنون ، والباطل الذى يمثله أبليس اللعين وأتباعه من شياطين الإنس والجن ، وبدأت الحلقة الأولى من حلقات الصراع ، حينما { وَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ } ( الأعراف 20 / 21 ) وترتب على مخالفة آدم وحواء لأمر الله بعدم الأكل من الشجرة ، أن { بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ } ( الأعراف 22 ) ثم حذرهما الله عز وجل وذرياتهما من الوقوع فى الفواحش ، فقال تعالى : { يَا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ } ( الأعراف 27 ) فامتثل البعض ، وخالف آخرون ، وسارعوا فى نشرها بين الناس ، محاولين استقطاب أكبر عدد منهم للوقوع فى حبائلهم ، وذلك بتزينها لهم ، وتيسيرها لهم بأيسر السبل ، وأقل النفقات ، ولو علم هؤلاء ما توعد الله به الساعين لنشرها والمقيمين عليها ، لجعلوا بينهم وبينها بعد المشرقين ، والناظر إلى أحوال الناس ، بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير ، يجد إنفلاتا ، وإنحدارا خلقيا ، لم تشهد له الأمة مثيلا ، فعم الجميع ، إلا من رحم الله ، وصارت البذاءة ، فى الأقوال والأفعال شعار المرحلة ، وخرج من بين المسلمين ، من يدافع عنها ، ويؤصل لها ، ويستدل على جوازها ، بما لا يجوز له الإستدلال به ، فأحببت أن ألقى الضوء على هذه المعصية ، ببيان حقيقتها ، وما ذكر عنها من ترغيب وترهيب فى كتاب الله وسنة رسول الله صل الله عليه وسلم ، للحذر منها ، وتحذير الآخرين من الوقوع فى حبائلها ، وذلك من باب قول الشاعر أبى فراس الحمدانى :
عرفت الشر لا للشر ولكن لتوقيه    ومن لم يعرف الشر من الناس يقع فيه
وقد تتبعت الآيات القرآنية ، وما صح من الأحاديث النبوية ، التى تحدثت عن الفاحشة ، وقمت بترتيبها على هيئة وقفات ، ثم قمت بشرح ما يحتاج إلى شرح منها ، من كتب التفاسير المعتبرة ، وشروح الحديث ، وربطها بواقع الناس الآن ، والرد على شبهات المبطلين . وسميته { وقفات شرعية مع أحكام الفاحشة فى القرآن الكريم والسنة النبوية }
فما وجدت فيه أيها القارىء الكريم من توفيق فمن الله ، وما وجدت فيه من خلل ، فمنى ومن الشيطان .
والله أسأل أن يكتب لرسالتى هذه ، القبول بين الناس ، وأن يجعلها حرزا لعدم الوقوع فى الفاحشة ، وأن يجعلها فى ميزان حسناتى يوم ألقاه ، آمين .
الوقفة الأولى : معنى الفاحشة والفرق بين الفحش والتفحش :-
قال ابن منظور فى لسان العرب : { فحش : الفحش : معروف . ابن سيده :  الفحش والفحشاء والفاحشة القبيح من القول والفعل ، وجمعها الفواحش . وأفحش عليه في المنطق أي قال الفحش . والفحشاء : اسم الفاحشة ، وقد فحش وفحش وأفحش وفحش علينا وأفحش إفحاشا وفحشا ; عن كراع واللحياني ، والصحيح أن الإفحاش والفحش الاسم . ورجل فاحش : ذو فحش ، وفي الحديث : إن الله يبغض الفاحش المتفحش ، فالفاحش ذو الفحش والخنا من قول وفعل ، والمتفحش الذي يتكلف سب الناس ويتعمده ، وقد تكرر ذكر الفحش والفاحشة والفاحش في الحديث ، وهو كل ما يشتد قبحه من الذنوب والمعاصي ; قال ابن الأثير :  وكثيرا ما ترد الفاحشة بمعنى الزنا ويسمى الزنا فاحشة ، وقال الله تعالى : إلا أن يأتين بفاحشة مبينة قيل : الفاحشة المبينة أن تزني فتخرج للحد ، وقيل : الفاحشة خروجها من بيتها بغير إذن زوجها ، وقال الشافعي :  أن تبذو على أحمائها بذاربة لسانها فتؤذيهم وتلوك ذلك . وفي حديث فاطمة بنت قيس :  أن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، لم يجعل لها سكنى ولا نفقة وذكر أنه نقلها إلى بيت ابن أم مكتوم لبذاءتها وسلاطة لسانها ولم يبطل سكناها لقوله عز وجل : لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة .  وكل خصلة قبيحة فهي فاحشة من الأقوال والأفعال ; ومنه الحديث : قال لعائشة لا تقولي ذلك فإن الله لا يحب الفحش ولا التفاحش ;  أراد بالفحش التعدي في القول والجواب لا الفحش الذي هو من قذع الكلام ورديئه ، والتفاحش تفاعل منه ; وقد يكون الفحش بمعنى الزيادة والكثرة ; ومنه حديث بعضهم وقد سئل عن دم البراغيث فقال : إن لم يكن فاحشا فلا بأس . وكل شيء جاوز قدره وحده فهو فاحش . وقد فحش الأمر فحشا وتفاحش . وفحش بالشيء : شنع . وفحشت المرأة : قبحت وكبرت ; حكاه ابن الأعرابي ; وأنشد :وعلقت تجريهم عجوزك بعدما فحشت محاسنها على الخطاب .
وأفحش الرجل إذا قال قولا فاحشا ، وقد فحش علينا فلان وإنه لفحاش ، وتفحش في كلامه ، ويكون المتفحش الذي يأتي بالفاحشة المنهي عنها . ورجل فحاش : كثير الفحش ، وفحش قوله فحشا . وكل أمر لا يكون موافقا للحق والقدر ، فهو فاحشة . قال ابن جني  : وقالوا فاحش وفحشاء كجاهل وجهلاء حيث كان الفحش ضربا من ضروب الجهل ونقيضا للحلم ; وأنشد الأصمعي : وهل علمت فحشاء جهله
وأما قول الله عز وجل : الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء
قال المفسرون : معناه يأمركم بأن لا تتصدقوا ، وقيل : الفحشاء هاهنا البخل ، والعرب تسمي البخيل فاحشا ; وقال طرفة
: أرى الموت يعتام الكرام ويصطفي     عقيلة مال الفاحش المتشدد
يعني الذي جاوز الحد في البخل . وقال ابن بري : الفاحش السيئ الخلق المتشدد البخيل . يعتام : يختار . يصطفي أي يأخذ صفوته وهي خياره . وعقيلة المال : أكرمه وأنفسه ; وتفحش عليهم بلسانه .} أهـ .
فالفحش : أن يزيد الشىء عن مقدار إعتداله حتى يصير قبيحا ، ويكون فى القول ، والسلوك ، والوصف والحال ، والنبى صل الله عليه وسلم ، لم يكن فاحشا فى أقواله ، ولا فى أفعاله ، ولا فى أحواله .
والفاحش : الناطق بالفحش . والمتفحش : المتكلف لذلك ، أى لم يكن له الفحش خلقا ولا مكتسبا والفواحش : كل ما يشتد قبحه من الذنوب والمعاصى ، وكل خصلة قبيحة فهى فاحشة .
 واصل الفحش الزيادة والكثرة .
الوقفة الثانية : غيرة الله – سبحانه وتعالى – سبب لتحريم الفواحش :-
حرم الله ، الفواحش ما ظهر منها وما بطن فقال تعالى : { قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } ( الأعراف 33 )
قال العلامة السعدى – رحمه الله – فى " تيسير الكريم المنان فى تفسير كلام الرحمن " : { أي: الذنوب الكبار التي تستفحش وتستقبح لشناعتها وقبحها ، وذلك كالزنا واللواط ونحوهما. وقوله : { مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ } أي : الفواحش التي تتعلق بحركات البدن ، والتي تتعلق بحركات القلوب ، كالكبر والعجب والرياء والنفاق ، ونحو ذلك . } أهـ .
وقد بين النبى صل الله عليه وسلم أن سبب تحريمها  هو غيره الله عز وجل ، فعن المغيرة بن شعبة رضى الله عنه قال : قال سعدُ بنُ عُبادةَ : { لو رأيتَ رجلاً مع امرأتي لضربتُه بالسيفِ غير مُصفِحٍ، فبلغ ذلك رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فقال : تعجبون من غيرةِ سعدٍ ، واللهِ لأنا أغيرُ منه ، واللهُ أغيرُ مني ، ومن أجلِ غيرةِ اللهِ حرَّمَ الفواحشَ ما ظهر منها وما بطن ، ولا أحدَ أحبُّ إليه العذرُ من اللهِ ، ومن أجل ذلك بعث المبشرين والمنذرين ، ولا أحدَ أحبُّ إليه المُدحةُ من اللهِ ، ومن أجل ذلك وعد اللهُ الجنةَ } ( رواه البخارى )
ولله در ابن القيم – رحمه الله – حينما أصل لهذا السبب تأصيلا شافيا فى " الجواب الكافى لمن سأل عن الدواء الشافى " حيث قال : { ومن عقوباتها انها تطفي من القلب نار الغيرة التي هى لحياته وصلاحه كالحرارة الغريزية لحياة جميع البدن فان الغيرة حرارته وناره التي تخرج ما فيه من الخبث والصفات المذمومة كما يخرج الكير خبث الذهب والفضة والحديد ،  وأشرف الناس وأعلاهم قدرا وهمة أشدهم غيرة علي نفسه وخاصته وعموم الناس ، ولهذا كان النبي أغير الخلق علي الامة والله سبحانه أشد غيرة منه كما ثبت في الصحيح عنه انه قال " أتعجبون من غيرة سعد لأنا أغير منه والله أغير مني " وفي الصحيح أيضا عنه انه قال في خطبة الكسوف يا أمة محمد ما  أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمته ، وفي الصحيح أيضا عنه أنه قال لا أحد أغير من الله من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا أحد أحب اليه العذر من الله من أجل ذلك أرسل الرسل مبشرين ومنذرين ولا أحد أحب اليه المدح من الله من أجل ذلك أثنى على نفسه فجمع في هذا الحديث بين الغيرة التي أصلها كراهة القبائح وبغضها وبين محبة العذر الذي يوجب كمال العدل والرحمة والاحسان والله سبحانه مع شدة غيرته يحب إن يعتذر اليه عبده ويقبل عذر من اعتذر اليه وانه لايؤاخذ عبيده بارتكاب ما يغار من ارتكابه حتى يعذر اليهم ولأجل ذلك أرسل رسله وأنزل كتبه إعذارا وإنذارا وهذا غاية المجد والاحسان ونهاية الكمال فان كثيرا ممن تشتد غيرته من المخلوقين تحمله شدة الغيرة على سرعة الايقاع والعقوبة من غير إعذار منه ومن غير قبول لعذر ممن إعتذر اليه ، بل يكون له فى نفس الامر عذر ولاتدعه شدة الغيرة ان يقبل عذره وكثير ممن يقبل المعاذير يحمله على قبولها قلة الغيرة حتى يتوسع في طرق المعاذير ويرى عذرا ما ليس بعذر حتى يعتذر كثير منهم بالقدر، وكل منهما غير ممدوح على الاطلاق وقد صح عن النبي انه قال أن من الغيرة ما يحبها الله ومنها ما يبغضها الله ، فالتي يبغضها الله الغيرة من غير ريبة وذكر الحديث ، وانما الممدوح اقتران الغيرة بالعذر ، فيغار في محل الغيرة ويعذر في موضع العذر ومن كان هكذا فهو الممدوح حقا . ولما جمع سبحانه صفات الكمال كلها كان أحق بالمدح من كل أحد ، ولايبلغ أحد إن يمدحه كما ينبغي له ، بل هو كما مدح نفسه وأثنى على نفسه ، فالغيور قد وافق ربه سبحانه في صفة من صفاته ، ومن وافق الله في صفه من صفاته قادته تلك الصفة اليه بزمامه ، وأدخلته على ربه وأدنته منه ، وقربته من رحمته وصيرته محبوبا له ، فانه سبحانه رحيم يحب الرحماء ، كريم يحب الكرماء ، عليم يحب العلماء ، قوى يحب المؤمن القوي وهو أحب اليه من المؤمن الضعيف ، حتى يحب أهل الحياء ، جميل يحب أهل الجمال وتر يحب أهل الوتر ولو لم يكن في الذنوب والمعاصي الا انها توجب لصاحبها ضد هذه الصفات وتمنعه من الاتصاف بها لكفي بها عقوبة ، فان الخطرة تنقلب وسوسة ، والوسوسة تصير إرادة ، والارادة تقوي فتصير عزيمة ، ثم تصير فعلا ، ثم تصير صفة لازمة وهيئة ثابتة راسخة ، وحينئذ يتعذر الخروج منهما كما يتعذر عليه الخروج من صفاته القائمة به ، والمقصود انه كلما اشتدت ملابسته للذنوب أخرجت من قلبه الغيرة على نفسه وأهله وعموم الناس ، وقد تضعف في القلب جدا حتى لا يستقبح بعد ذلك القبيح لا من نفسه ولا من غيره ، واذا وصل الى هذا الحد فقد دخل في باب الهلاك وكثير من هؤلاء لا يقتصر على عدم الاستقباح ، بل يحسن الفواحش والظلم لغيره ويزينه له ويدعوه اليه ويحثه عليه ويسعي له فى تحصيله ، ولهذا كان الديوث أخبث خلق الله والجنة حرام عليه ، وكذلك محلل الظلم والبغي لغيره ومزينه له ، فانظر ما الذي حملت عليه قلة الغيرة ، وهذا يدلك على أن أصل الدين الغيرة ، ومن لا غيرة له لا دين له ، فالغيرة تحمي القلب فتحمي له الجوارح فتدفع السوء والفواحش ، وعدم الغيرة تميت القلب فتموت له الجوارح فلا يبقى عندها دفع البتة ومثل الغيرة في القلب مثل القوة التي تدفع المرض وتقاومه ، فاذا ذهبت القوة وجد الداء المحل قابلا ، ولم يجد دافعا فتمكن فكان الهلاك ، ومثلها مثل صياصي الجاموس التي تدفع بها عن نفسه وعن ولده ، فإذا انكسرت طمع فيها عدوه } أهـ .
والغيرة لغة : مصدر من الفعل غار ، تقول غار الرجل على أهله ، وغار الرجل على امرأته ، والمرأة تغار على زوجها ، وأمرأة غيور ، ورجل غيور ، هو فعول من الغيرة ، وهى الحمية والأنفة .
الغيرة إصطلاحا : هى الحمية والأنفة الناهية عن انتهاك محارم الله وإتيان الفواحش ، وصيانة الأمة ودينها من ذلك ، وهى الغيرة فى ريبة ، وهناك غيرة خاصة بالعبد ، وهى حميته ، وأنفته ، ومنعه من مشاركة الغير فى أهله .
أما الغيرة فى حقه سبحانه وتعالى : فقد بينها العلامة ابن باز – رحمه الله – فى " تعليقه على فتح البارى " حيث قال : { المحال عليه سبحانه وتعالى وصفه بالغيرة المشابهة لغيرة المخلوق ، وأما الغيرة اللائقة بجلاله سبحانه وتعالى فلا يستحيل وصفه بها ، كما دل عليه هذا الحديث وما جاء في معناه ، فهو سبحانه يوصف بالغيْرة عند أهل السنَّة على وجه لا يماثل فيه المخلوقين ، ولا يعلم كنهها وكيفيتها إلا هو سبحانه ، كالقول في الاستواء والنزول والرضا والغضب وغير ذلك من صفاته سبحانه ، والله أعلم } أهـ .
وبينها العلامة ابن العثيمين - رحمه الله – فى " شرح رياض الصالحين " حيث قال : " {   قال المؤلف - رحمه الله تعالى - فيما نقله عن أبي هريرة - رضي الله عنه – قال : إن النبي صلي الله عليه وسلم قال: ( إن الله تعالى يغار وغيرة الله تعالى إن يأتي المرء ما حرم الله) . قوله : ( محارمه ) أي : محارم الله . والغيرة صفة حقيقية ثابتة لله - عز وجل - ولكنها ليست كغيرتنا ، بل هي اعظم واجل ، والله - سبحانه وتعالى - بحكمته  أوجب علي العباد أشياء ، وحرم عليهم أشياء ، واحل لهم أشياء . فما أوجبه عليهم فهو خير لهم في دينهم ودنياهم ، وفي حاضرهم ومستقبلهم ، وما حرمه عليهم فانه شر لهم في دينهم ودنياهم ، وحاضرهم ومستقبلهم ، فإذا حرم الله علي عباده أشياء فانه - عز وجل - يغار إن يأتي الإنسان محارمه ، وكيف يأتي الإنسان محارم ربه والله - سبحانه وتعالى -  إنما حرمها من اجل مصلحة العبد ، أما الله - سبحانه وتعالى - فلا يضره إن يعصي الإنسان ربه ، لكن يغار ، كيف يعلم الإنسان إن الله سبحانه حكيم ، ورحيم ، ولا يحرم علي عباده شيئا بخلا منه عليهم به ، ولكن من اجل مصلحتهم ، ثم يأتي العبد فيتقدم فيعصي الله - عز وجل - ولا سيما في الزنا - نسأل الله العافية فانه ثبت عن النبي صلي الله عنه وسلم انه قال : ( ما أحد أغير من الله إن يزني عبده أو تزني أمته ) لأن الزنا فاحشة ، والزنا طريق سافل سيئ ، ومن ثم حرم الله علي عباده الزنا وجميع وسائله ، كما قال الله سبحانه : ( وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً ) (الإسراء :32) ، فإذا زني العبد - والعياذ بالله - فان الله يغار غيرة اشد واعظم من غيرته علي ما دونه من المحارم . وكذلك أيضا - ومن باب أولى وأشد – اللواط ، وهو إتيان الذكر، فان هذا أعظم وأعظم ، ولهذا جعله الله تعالى اشد في الفحش من الزنا. فقال لوط لقومه : ( أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ) (لأعراف : من الآية80). قال هنا : ( الفاحشة) وفي الزنا قال : ( فاحشة) أي : فاحشة من الفواحش ، أما اللواط فجعله الفاحشة العظمي نسأل الله العافية. وكذلك أيضا السرقة وشرب الخمر وكل المحارم يغار الله منها ، لكن بعض المحارم تكون اشد غيرة من بعض ، حسب الجرم ، وحسب المضار التي تترتب علي ذلك . وفي هذا الحديث : إثبات الغيرة لله تعالى ، وسبيل أهل السنة والجماعة فيه وفي غيره من آيات الصفات وأحاديث الصفات انهم يثبتونها لله - سبحانه وتعالى - علي الوجه اللائق به ، يقولون : إن الله يغار لكن ليس كغيرة المخلوق ، وان الله يفرح ولكن ليس كفرح المخلوق ، وان الله - سبحانه وتعالى - له من الصفات الكاملة ما يليق به ، ولا تشبه صفات المخلوقين ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ) ( الشورى : 11 ). والله الموفق .} أهـ .

نائب رئيس هيئة قضايا الدولة ، والكاتب بمجلة التوحيد


تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

لمن ستعطى صوتك فى الانتخابات الرئاسية المقبلة؟

  • فجر

    05:21 ص
  • فجر

    05:21

  • شروق

    06:50

  • ظهر

    11:54

  • عصر

    14:40

  • مغرب

    16:58

  • عشاء

    18:28

من الى