• الثلاثاء 12 ديسمبر 2017
  • بتوقيت مصر12:09 م
بحث متقدم

دردشة مع السيدة "تينج وو"

مقالات

أخبار متعلقة

عندما تفرّست في ملامحها؛ ألفيت السحنة الأسيوية، وأنا الذي ظننت أنني سألتقي سيدة أمريكية شقراء، بما نشاهدهنّ في أفلام هوليود، ولذلك لم أتعب كثيرا في كسر الحواجز النفسية والتوجس الأوّلي بسبب اجتماعية هذا العرق، فالسيدة “تينج وو” الذي جمعني لقاء معها بالأمس، هي نائبة القنصل الأمريكي في جدة، ولها بضعة شهور في السعودية، وكعادة هؤلاء القناصل يلتقون ببعض النخب، لاستشراف رأيهم حيال الأحداث الجارية. 

ولأنها من أصول صينية، كانت مبتسمة طيلة الوقت، ومنفتحة على الحوار بشكل كامل، ما أضفى على اللقاء رونق ودّ ومتعة حديث في موضوعات جادة.بدأت الدردشة عن القضية التي جعلت العالم كله يتابع؛ موضوع الحرب على الفساد، وقلت لها: “أود لفت نظرك بأن هذا الموضوع جزءٌ من كلّ، رؤية 2030 الواعدة هي الخطة والمسار التي ستصنع سعودية حديثة، وتنقلنا لمصاف الدول العشرين بما يحلم به مليكنا الكبير سلمان وابنه الشاب الأمير محمد يحفظهما الله. هذه الرؤية كان يتحدث فيها فقط رجال الأعمال والتجار، ومعظم النخب وطبقات المجتمع لم يستوعبوها تماما إلا بعد قضية نزلاء فندق “الريتز”، عندها آمنّا بأن ثمة جدية حقيقية في الرؤية، وتصميما وإصرارا على النجاح، وحقق الأمير محمد بن سلمان شعبية جارفة جدا بسب هذه القضية، واجتمعت عليه النخب في المملكة بكل ألوان طيفها الفكري، فالمسألة تمسُّ المال العام، وأميرنا الشاب وعد بالحرب عليها قبل أكثر من عام، وعندما نفذ ما وعد مبتدئا بالأعلى الذين كنا نظنهم بمأمن كامل؛ أذهلنا والعالم تماما. واليوم نرى الفسدة يرتعدون، وينتظرون أدوارهم مرتعبين من حزم  مليكنا وصولات ابنه البطل حيال الفساد الذي طُرح موضوعه من سنوات، من عهد الملك عبدالله يرحمه الله، ولكنها فشلت جميعها، لأنها كانت تصل لسقف أعلى ثم تقف”.


بدّدتُ لنائبة القنصل وَهم أن الحملة على الفساد إنما هي لأغراض سياسية، وسقت لها ما قاله الأمير محمد بن سلمان بكل شفافية تجاه هذه النقطة في لقائه الأخير مع توماس فريدمان، وأن من آمن بضرورة الحرب على الفساد، وأمر بالتحقيق في ضياع مئات المليارات من الريالات هو مليكنا الكبير، بل إنه –حفظه الله لنا- أمر بذلك قبل عامين كاملين، وعندما اكتملت الوثائق والأدلة، لم يجد إلا عضيده ولي عهدنا؛ السيف البتار الذي يضرب به الفساد اليوم دون محاباة أو تمييز، فالمسألة ليست وليدة اللحظة كي تنصرف الأذهان إلى أنها لأغراض سياسية، فضلا على أن معظم الأمراء بايعوا سمو ولي العهد قبلا. ما هو مفرح لكل الحقوقيين والمهتمين بالشأن العام أن هذه بداية الحملة، ويقينا أنها ستتسع لتعود لأولئك الذين ظنوا أن سرقاتهم طويت بفعل التقادم، والحقيقة أن خزينة الدولة أولى بألف مرة، من بضعة أفراد استولوا بطريقة غير شرعية على مئات بل آلاف المليارات، هي ملك هذا الشعب، وملك هذه الرؤية الحلم التي نروم تحقيقها، للقفز بالسعودية إلى مصاف العالم الأول”.

السيدة “تينج وو” تطرقت معي لموضوع الاعتدال الإسلامي، ومدى قابلية المجتمع السعودي لذلك، بل وقالت: “لم أفهم للآن، كيف كان يحرّم علماء الشرع لديكم قيادة المرأة للسيارة، والآن يجيزونها؟”.

قلت لها: “أنا رجل أحترم التخصص، ومن حقك أن تسألي في هذه النقطة عالما شرعيا هو المخول بالإجابة، بيد أنني سأقول –كإعلامي- يعرف صميم المسألة، لأنه أثارها كثيرا في برامجه ومقالاته؛ ثمة علاقة متينة بين العلماء وولاة الأمر في المملكة، هذه العلاقة التي تقوم على أسس شرعية، تقول بالسمع والطاعة لولي الأمر ما لم يأمر بمعصية متعيّنة مجمعٌ عليها، فالمصلحة الكبرى مثل الأمن الذي نعيش، ووحدة هذا الوطن، وكثيرا من المصالح العظمى التي تتضاءل أمامها مسائل صغيرة؛ هي التي ينظر لها علماؤنا الذين يؤمنون بأن لدى السياسي من المعطيات والتقدير والتوازنات؛ ما يجعله المتصرف الأوحد بما يخدم البلاد. بهذه العلاقة المتميزة بينهما؛ تجنبنا نحن في المملكة كثيرا من المآزق الحادة والحمد لله، فيما انهارت دول ونظم سياسية بكاملها، ودخلت أخرى في فوضى واقتتال داخلي وحرب أهلية لمّا تزل لليوم. أما موضوع قيادة المرأة للسيارة، فالعلماء الذين تحتارين في مواقفهم، لم يحرّموها في السابق لذاتها، فالمرأة في عهد رسولنا الكريم كانت تسافر وتركب البعير، التحريم كان  بسبب عدم ملاءمة الظروف التي تحفظ للمرأة حقوقها في أن تقود باطمئنان. اليوم لدينا قوانين رادعة ضد التحرش، وثمة أنظمة جديدة أصدرت؛ أخذت بعين الاعتبار قيادة المرأة للسيارة، لذلك وجد العلماء الذين أجازوا هذه المسألة، أن الموانع التي كانوا يخشونها أزيلت، فتمت الموافقة الشرعية عليها”.


تكلمت معي ضيفتي التي عملت في المغرب واليمن، والتي تفهم العربية الفصيحة، ولديها إلمام بالتراث الاسلامي، وتتكلم العربية بشكل لا بأس به عن مراتب الحديث النبوي، وسألت عن “مجمع الملك سلمان للحديث النبوي”، فقمت بشرحها لها، وأخذتها للدائرة الكبرى؛ أننا في المملكة ألفينا أنفسنا بعد 11 سبتمبر بأن العالم كله يتهمنا بالإرهاب، وبرغم أننا اصطلينا به، من قبل “القاعدة” و”داعش”، ولم نأل جهدا في محاربتهم، إلا أن الغرب والإعلام الغربي تحديدا؛ يلصق كل عملية إرهابية تتم بنا، ونقحم بشكل أو بآخر -ظلما- بذلك الإرهاب، وللأسف قام الإعلام لديكم بنمذجة ما يسوقه المتطرفون الدواعش على أنه الإسلام، بينما أصل الإسلام واحد هو الاعتدال.


قلت للسيدة “تينج وو” أن المملكة تقوم من فترة، بتغيير هذه الصورة الظالمة والشائهة، وتنشئ المراكز للحرب الفكرية على التطرف، وتقيم المؤتمرات والندوات لتفكيك خطابهم المتطرف، وبينما أتحدث معك الآن؛ أمين عام رابطة العالم الاسلامي د. محمد العيسى يجوب أوروبا من شهر وأكثر، يزور دولها ليكرّس فهم الإسلام الحقيقي المعتدل لدى المواطنين المسلمين هناك والجاليات الإسلامية التي تعيش بالغرب، ويطالبهم باحترام دساتير البلاد العلمانية التي يعيشون فيها، ويسوق لهم فتاوى من أكثر من مائة عالم شرعي اجتمعوا في مكة المكرمة العام الماضي، وطالبوا المسلمين هناك باحترام قوانينكم، حتى لو خالفت بعض نصوص الشريعة، وأن من لم يستطع التكيف معها من المسلمين، عليه العودة لبلاده، أو أي بلاد تتقبله. هذا خطاب معتدل ومنصف يحتاج منكم تقديره ودعمه، فالتطرف آفة تخترم كل الأديان وليس الإسلام فقط، ومن الضروري أن تصطف كل دول العالم ضد أية عقيدة متطرفة من أي دين أو ثقافة كانت”.

سألتني نائبة القنصل الأمريكي سؤالا صريحا: “هل تعتقد إذن أننا سنرى الحياة الاجتماعية في المملكة ستكون كالحياة في الغرب؟”، حدّقت في وجهها طويلا، ولملمت شتات إجابتي، ومضيت في سرد طويل لها، أسجله لكم في المقالة التالية.

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

لمن ستعطى صوتك فى الانتخابات الرئاسية المقبلة؟

  • عصر

    02:40 م
  • فجر

    05:20

  • شروق

    06:49

  • ظهر

    11:54

  • عصر

    14:40

  • مغرب

    16:58

  • عشاء

    18:28

من الى